الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

102

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

رومانية وما رائده في ذلك إلا مجرد التشابه في بعض أحوال القصص ، وذلك التشابه لا تخلو عنه الأساطير والقصص فلا ينبغي إطلاق الأوهام وراء أمثالها . والمحقق أنّ قصة الخضر وموسى يهودية الأصل ولكنّها غير مسطورة في كتب اليهود المعبر عنها بالتوراة أو العهد القديم . ولعل عدم ذكرها في تلك الكتب هو الذي أقدم نوفا البكالي على أن قال : إن موسى المذكور في هذه الآيات هو غير موسى بني إسرائيل كما ذكر ذلك في « صحيح البخاري » وأن ابن عباس كذب نوفا ، وساق الحديث المتقدم . وقد كان سبب ذكرها في القرآن سؤال نفر من اليهود أو من لقنهم اليهود إلقاء السؤال فيها على الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الإسراء : 85 ] . واختلف اليهود في أن صاحب الخضر هو موسى بن عمران الرسول وأن فتاه هو يوشع بن نون ، فقيل : نعم ، وقد تأيد ذلك بما رواه أبي بن كعب عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقيل : هو رجل آخر اسمه موسى بن ميشا ( أو منسه ) ابن يوسف بن يعقوب . وقد زعم بعض علماء الإسلام أن الخضر لقي النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعدّ من صحابته . وذلك توهم وتتبع لخيال القصاصين . وسمي الخضر بليا بن ملكان - أو إيليا - أو إلياس ، فقيل : إن الخضر هو إلياس المذكور في سورة يس . ولا يصح أن يكون الخضر من بني إسرائيل إذ لا يجوز أن يكون مكلفا بشريعة موسى ويقره موسى على أفعال لا تبيحها شريعته . بل يتعين أن يكون نبيئا موحى إليه بوحي خاص ، وعلم موسى أنه من أمة غير مبعوث موسى إليها . ولما علم موسى ذلك مما أوحى اللّه إليه من قوله : بلى عبدنا خضر هو أعلم منك . كما في حديث أبي بن كعب ، لم يصرفه عنه ما رأى من أعماله التي تخالف شريعة التوراة لأنه كان على شريعة أخرى أمة وحده . وأما وجوده في أرض بني إسرائيل فهو من السياحة في العبادة ، أو أمره اللّه بأن يحضر في المكان الذي قدره للقاء موسى رفقا بموسى - عليه السلام - . ومعنى أَوْ أَمْضِيَ أو أسير . والمضي : الذهاب والسير . والحقب - بضمتين - اسم للزمان الطويل غير منحصر المقدار ، وجمعه أحقاب . وعطف أَمْضِيَ على أَبْلُغَ ب ( أو ) فصار المعطوف إحدى غايتين للإقلاع عن السير ، أي إما أن أبلغ المكان أو أمضي زمنا طويلا . ولما كان موسى لا يخامره الشك